اليوم الأربعاء 20 يناير 2021 - 7:12 صباحًا
جديد الأخبار
طنجة – إتحار شاب عشريني بمنطقة اكزناية المغرب: انخفاض الحركة الجوية بأكثر من 71٪ في 2020 استشهاد جندي مغربي بجمهورية إفريقيا الوسطى. تمديد فترة العمل بالتدابير الوقائية لأسبوعين إضافيين المغرب يحسن موقعه في ترتيب القوة العسكرية 2021 القصر الكبير – الكتابة المحلية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ينظم لقاء تواصليا شيشاوة :تفقد أشغال تهيئة مسلك الطريق الجديد لدوار تبردجوت ● الحكومة تقرر تمديد العمل بإجراءات حالة الطوارئ لأسبوعين إضافيين و تستمر معانات ساكنة بني يخلف المحمدية من الكلاب الضالة أصيلة : خلاف أسري ينهي حياة أم على يد زوج ابنتها تعبيد اجزاء مهمة من الطريق لفك العزلة في بعض مناطق اقليم شيشاوة ● السلالة المتحورة لفيروس كورونا..المغرب يعلن اكتشاف أول حالة إصابة واردة إنزكان – أستاذ يفارق الحياة داخل حجرة الدراسة جامعة الكرة ترخص للرجاء القيام بتعاقدات في “الميركاتو” شيشاوة : حادثة حادثة سير خطير بالطريق الجهوية رقم 212 حجز 23 ألف قرص طبي مهلوس بمكناس والقبض على عصابة مكونة من 12 عنصر من بينهم صيدلي
أخر تحديث : الأربعاء 25 سبتمبر 2019 - 7:07 مساءً

نشأة الفكر الفلسفي الغربي الحديث، وأهم سماته ومؤسسيه

عبد الحي عبد الوهاب –

شكل عصر النهظة نقطة تحول فاصلة، بين الفكر الفلسفي المدرسي في العصور الوسطى والفلسفة الحديثة ، حيث نهض الإنسان الأوربي من سباته الذي طال خلال القرون الوسطى ، التي امتدت من 529م – 1453م، وشهد القرن 15م ، بداية تحول العقل الإنساني من السلطة الدينية المتمثلة في الكنيسة، ومن السلطة العقلية المتمثلة في فلسفة أرسطو ، وبدأ الفكر الفلسفي حرا نشيطا خاصة في المراكز التي تميزت بالنزعة الإنسانية كالأكاديمية الأفلاطونية في فلورنسا وأكاديمية فينسيا. وحين بدأت نظرة العصور الوسطى إلى العالم في الإختفاء ، أخذت تظهر بالتدريج قوى جديدة عملت على تشكيل العالم الحديث ، فمن الناحية الإجتماعية: أصبح النظام الإجتماعي في العصر الوسيط غير مستقر نتيجة لظهور طبقة من التجار الذين تحالفوا مع الحكام ضد ملاك الأرض الخارجين عن كل سلطة.
ومن الناحية السياسية: فقد النبلاء قدرا من حصانتهم عندما ظهرت أسلحة أقوى جعلت من المستحيل عليهم الصمود في قلاعهم التقليدية ، ذلك أن اكتشاف البارود أسقط أهمية الأسوار العالية. وكان لاتصال الأوربيين بالعرب عن طريق الأندلس والحروب الصليبية والرحلات أثر في تنشيط حركة الترجمة، بنقل المؤلفات العربية إلى اللاتينية التي كانت لغة الأدباء والعلماء في القرون الوسطى ، ولم يكد ينتهي القرن الثالث عشر إلا وكانت كتب ابن رشد قد نقلت إلى الاتينية وأصبح هناك فئة من الفلاسفة والمفكرين يعرفون بالرشديين ( نسبة إلى ابن رشد).
ومن سمات هذا الفكر يعتبر المؤرخون عام 1452م ، وهو عام فتح القسطنطينية وانهيار الإمبراطورية البيزنطية بداية العصر الحديث، وذلك بسبب الآثار التي ترتبت على هذا الفتح وكونت نسيج التطور الجديد ، أما بالنسبة للفلسفة الحديثة فتتحدد بدايتها من بداية القرن 17م، وقد تميزت بالغديد من السمات من بينها:
الطابع الفردي والنزعة العقلية : نتيجة للتحرر الفكري الذي ساد عصر النهظة والعصر الحديث ، كانت الفلسفة عقلية النزعة ، بمعنى أنها تحكم العقل الإنساني ، ولا تقبل بالتقليد ، بل أنها أخضعت كل شيء – حتى العقل – للفهم والنقد.
كذلك الطابع النسقي التركيبي : حيث كانت الفلسفة في عصر النهظة ذات طابع نقدي تحليلي إلا أنها تميزت في العصر الحديث ببناء نظم فلسفية شامخة لا تعتمد منهج التحليل بل تنظر إلى الفلسفة بوصفها تركيبا للقضايا والأفكار.
بالإظافة إلى الإهتمام بمبحث المعرفة : احتل هذا المبحث مكان الصدارة في الفلسفة الحديثة الذي كان يشغله مبحث الوجود في الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطى ، ثم جاء الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت ليقطع الصلة نهائيا بالفلسفة المدرسية بمنهجه العقلي وشكه المنهجي.
ومن رواد هذا الفكر على سبيل المثال نجد فرانسيس بيكون ، الذي عاش مابين ( 1561م – 1626م) ، ونشأ في ظل البلاط الملكي الإنجليزي الذي خيم على حياته بأسرها، فقد كان أبوه حاملا لأختام الملك، وتلقى تعليمه في جامعة كمبردج واشتغل بالقانون والسياسة ، تدرج في المناصب السياسية حتى أصبح مستشارا للملك. ويعد فاتحة الفلاسفة الأوربيين ، وقد تركز اهتمامه على مشكلة المنهج وهو الذي ساهم مساهمة فعالة في القضاء نهائيا على سيطرة منطق أرسطو وطالب بإحلال المنهج الإستقرائي محل المنطق الصوري كوسيلة للمعرفة العلمية، وأهم كتبه هو الأرغانون الجديد وقد رتب فيه العلوم حسب القوى الإدراكية للإنسان وهي : الذاكرة وموضوعها التاريخ. المخيلة وموضوعها الشعر والأدب. العقل ومجاله الفلسفة. والعقل عند بيكون أداة تحديد وتجريد ومماثلة وتصنيف لمعطيات الحواس ، وإذا ما ترك بدون منهج ، إنقاذ إلى أوهام طبيعية ووقع في الخطأ ولكي نضمن البحث الموضوعي وعدم الوقوع في الخطأ علينا التخلص من هذه الأنصنام أو الأوهام وهي : أوهام قبلية أي أوهام الجنس، ويقصد بها قصور العقل الإنساني. وأوهام الكهف ويقصد بها ثقة الشخص ومعتقداته التي تمثل كهفا له ، فهي إذن أوهام خاصة بكل فرد على حده. وأوهام السوق: ويقصد بها سوء استخدام اللغة في العلوم . وثم أوهام المسرح: ويقصد بها التقاليد والأفكار المتوارثة عن القدماء التي أكسبها الزمن تعظيما اجتماعيا.
وخطوات التفكير العلمي التجريبي عند بيكون هي أن نتخلص من هذه الأوهام أو الأصنام كما كان يطلق عليها، ثم نبدأ البحث بموضوعية ونأمل أن نتوصل إلى التفسير الصحيح للظواهر المختلفة. وقد قسم منهجه إلى قسمين : الأول يتم فيه جمع المعلومات وإجراء التجارب. والثاني يتم فيه تسجيل النتائج في قوائم تصنيفية وتحليلها ومقارنتها والتوصل إلى صورة الظاهرة موضوع البحث، وذلك من خلال الخطوات التالية: جمع المعلومات – الترتيب – الإستقراء والتحليل – التحقق من صحة النتائج.
وكذلك من رواد هذا الفكر نجد المفكر الفرنسي المشهور الذي عاش ما بين ( 1597م – 1650م).وهو  رينيه ديكارت الذي ينتمي إلى أسرة النبلاء ، درس في مدرسة لا فليش التي اكتسب منها تعليما جيدا ثم عاد إلى باريس وشرع في البحث عن فلسفة جديدة، لكنه ترك باريس ليعود إلى هولندا ، التي اعتزل فيها الناس للتفرغ للكتابة وأخرج أهم كتبه مثل: ( مقال في المنهج ، و تأملات في الفلسفة الأولى، ورسالة في انفعالات النفس). ويعد ديكارت – بحق- مؤسس الفلسفة الحديثة ، ذلك لأن فلسفته جاءت كعلامة فارقة بين فلسفة عصر النهضة والفلسفة الحديثة ببنائها الفلسفي الشامخ. والفلسفة عند ديكارت تعني دراسة الحكمة ولا يقصد بالحكمة مجرد الفطنة في الأعمال بل معرفة كاملة بكل ما وسع الإنسان معرفته بالإضافة إلى تدبير حياته وصيانة صحته واستكشاف الفنون وقد شبه الفلسفة بأنها شجرة جذورها الميتافيزيقا وفروعها بقية العلوم وهو يقسم الفلسفة إلى قسمين : الميتافيزيقا ( ما وراء الطبيعة) وهي تشمل مبادئ المعرفة التي منها تفسير صفات الله وروحانية النفس وجميع المعاني الواضحة المتميزة.
العلم الطبيعي : ويشتمل على العالم وتركيبه وطبيعة أجسامنا وما يخص الظواهر الكونية من خير وشر مثل الأمطار والزلازل وغيرها.
إن منهج الفلسفة هو حدس المبادئ البسيطة واستنباط قضايا جديدة من المبادئ الأولى ، فالإستنباط الصحيح الواضح الذي ينتقل فيه العقل من حدس إلى آخر حتى يصل إلى النتيجة المطلوبة يظهر أن ما كان مجهولا لا قد استند إلى ما هو معلوم وما هو مركب قد تأسس على ما هو بسيط.
وقد كان هذا المنهج هو حصيلة اهتمام ديكارت بالرياضيات وهو موضوع كتابه مقال في المنهج الذي كان الهدف منه بيان القواعد والإرشادات التي ينبغي أن نتبعها حتى نستخدم عقولنا على نحو صحيح. وتتمثل قواعد المنهج الديكارتي في الآتي: أ) قاعدة الشك (اليقين): يجب الأ نقبل شيئا على أنه حق ما لم يتبين لنا بالبداهة أنه حق.
ب) قاعدة التحليل: ينبغي أن نقسم المشكلة إلى أجزاء حتى يتضح كل جزء فيها.
ج) قاعدة التركيب: نبدأ بدراسة أبسط الأجزاء حتى نصل إلى أكثر تعقيد.
د) قاعدة الإحصاء والمراجعة: نقوم هنا بإجراء إحصاءات شاملة حتى نتأكد أننا لم نغفل شيئا.
والشك المنهجي واليقين العقلي هو أن ديكارت لاحظ أن عقولنا مشحونة بأحكام ومعارف ألفناها منذ الصغر ، إن ديكارت يشبه العقل بسلة التفاح، فإذا كانت لدى شخص ما سلة مليئة بالتفاح الجيد والفاسد فماذا يفعل لكي يطهر سلته من التفاح الفاسد ويمنع انتقاله إلى التفاح الجيد؟  إن أصوب طريقة هي أن يفرغ ما بسلته من التفاح تماما ثم يفحص التفاح واحدة تلو الأخرى ليضع الجيد في السلة ويترك الفاسد خارجها.
وهذا بالضبط ما حاول ديكارت توضيحه لنا في تطبيق منهج الشك. ومن هنا بدأ ديكارت فلسفته فقال :
^^ سأشك بكل ما أختزن عقلي من أفكار وأغلق حواسي فلا أصدق بوجود شيئ ، ولكني مهما تماديت في هذا الشك فلن أستطيع أن أشك أنني أشك ، أي أفكر ، فالذي يشك فلا بد أن يكون مفكرا والذي يفكر لا بد أن يكون موجودا ، إن تفكيري هو دليل وجودي ( أنا أفكر إذن أنا موجود). فأنا موجود كذات مفكرة ( نفس) وهذا هو اليقين الأول ^^.  واليقين الثاني هو وجود الله واليقين الثالث هو وجود العالم.
شك ديكارت في بالحواس والشعور والعقل ، ولكنه شك منهجي مؤقت تمهيدا للوصول إلى اليقين الذي وجده في العقل ومبادئه المنطقية ، على عكس الغزالي الذي رأى أن اليقين لا يكون إلا عن طريق المعرفة الصوفية التي لا تتم بالعقل ولا بالحواس وإنما هو أرقى منهما.

وفي نهاية هذا المقال بقي أن نشير إلى خاصية أخرى للفلسفة الحديثة، مرتبطة بها وحدها ولن تستمر في حقبة الفلسفة المعاصرة، وهي خاصية في غاية العمومية لأنها مليئة بالاستثناءات. فقد تمثلت هذه الخاصية في ارتباط التيارات الفلسفية بالقوميات. فالتيار العقلي كان إلى حد كبير تياراً فرنسياً، ضم ديكارت ومالبرانش وباسكال، والتيار التجريبي كان إنجليزياً بصورة حصرية: بيكون وهوبز ولوك وهيوم، والتيار النقدي كان كانط الألماني هو ممثله الأساسي. ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى طبيعة كل شعب من هذه الشعوب، فالشعب الإنجليزي شعب تجاري وعملي،
لا يهتم كثيراً بالمثاليات ولا يميل إلى الفكر المجرد وغالباً ما يلجأ إلى احتكام الحس المشترك، ولذلك كان التيار التجريبي إنجليزياً حصرياً. والفرنسيون على العكس أصحاب تفكير عميق، وهم أكثر ارتباطاً بالتراث العقلي اليوناني، ودائماً ما حاولوا التوفيق بين العقل والدين نتيجة لخلفيتهم الكاثوليكية، وغالباً ما ينتج هذا التوفيق فلسفة عقلية. هذه الخاصية ليس لها شأن كبير في الدراسة العينية المتعمقة في تلك التيارات، بل هي تخص علوماً أخرى مثل تاريخ العقليات والتاريخ الحضاري وسوسيولوجيا المعرفة.

أوسمة : , , , ,