اليوم الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 - 5:26 صباحًا
أخر تحديث : السبت 23 مايو 2020 - 2:23 صباحًا

الإنسانُ المُرَقْمَنُ

الأستاذ – عبد الواحد لوماني

لم يتوقف الرقم عند حدود التأريخ لميلاد إنسان، أو تحديد هوية مواطن ضمن سجلات الحالة المدنية، بل لم يعد الرقم مجرد مُعْطً رياضيا غرضه:”التنظيم و الترتيب وإجراء العمليات الرياضية-المنطقية التي تقضيها الحاجيات اليومية من: تسويق أو دفع أقساط قرض أو فاتورة كهرباء… فقد تخطى الرقم حدود المحسوسات القابلة للعد و الحساب إلى تخوم الأحاسيس البشرية و تجاربه الوجدانية و علاقاته الشخصية و الحميمية ، مُمْتطيا الوسائل التكنولوجية الجديدة و وسائل التواصل الاجتماعي، ليخلق عالما جديدا أساسه الرَّقْمَنَة.ُ
فالإنسان المعاصر، إنسان رقمي بامتياز. أحاديثه و هواجسه وكل ما يجيش في خاطره يُعْرَضُ و يُكْشَفُ ليلاً و نهاراً في سجلات وسائل التواصل الاجتماعي. فأصبحت مقوماتنا الذاتية و الشخصية مرقمنة لها رقم استدلالي في محركات البحث الشهيرة وفي التطبيقات المتداولة بين الناس. الكل بوسعه أن يطلع على كينونتك التي قدمتها عبر ضغطة زر أو منشور أو صورة رأيتها و ظننتها تعكس ما بداخلك.
الامرُ الأخطرُ و الأدهى، هو أن تكون هذه الرقمنة _رقمنة مشاعرنا و خصوصياتنا ــ بعيدة كُلَّ البُعدِ عن المبادئ الأخلاقية، و عن الأعراف الاجتماعية المقبولة، حيث أضحى النَّاشِرُ المُرَقْمَنُ ينقل الأكاذيب و الأسرار الخاصة و يوثق خياناته عبر منشورات أو محادثات بينية، يمحوها عندما ينهتي من خوض تجربة” السَّلْبِ ” و “المكر الإلكتروني” و ” الخيانة المُرَقْمَنَة”. ليعود إلى عالم الواقع متناسيا الخطيئة التي جعل لها رقما في أرشيفات التطبيقات و محركات البحث العالمية. يظن أن مسح تلك المحادثة يغنيه عن المساءلة و تأنيب الضمير و مُتَنَاسِياً قُدرات عالم أسرار الأرقام في كشفها من جديد .
لقد نسي هذا الإنسان أنه رقم من البداية و أن الرقم لا يموت وإِنْ مُحِيتْ مدولاته من السجلات، سيبقى الرقم محفورا ما بقي الرقم مُلاَزِماً للإنسان، وما دام هناك من يُجِيدون تعبير و تأويل الأرقام الحَالِمَة .
الرقم رقيب، فلا تجعل أَنامك تُرَقْمِنُ ما لا يسرك. و اتق الله في نفسك ولْيَكُنْ قوله تعالى:(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) نبراسا و هاديا إلى سبل الرشاد.

أوسمة :